الآمدي
136
الاحكام
المسألة الثانية اختلفوا في جواز استصحاب حكم الاجماع في محل الخلاف : فنفاه جماعة من الأصوليين ، كالغزالي وغيره ، وأثبته آخرون وهو المختار . وصورته ما لو قال الشافعي مثلا في مسألة الخارج النجس من غير السبيلين : إذا تطهر ، ثم خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج متطهر ولو صلى فصلاته صحيحة ، لان الاجماع منعقد على هذين الحكمين قبل الخارج ، والأصل في كل متحقق دوامه لما تحقق في المسألة التي قبلها ، إلا أن يوجد المعارض النافي ، والأصل عدمه ، فمن ادعاه يحتاج إلى الدليل . فإن قيل القول بثبوت الطهارة وصحة الصلاة في محل النزاع إما أن يكون لدليل ، أو لا لدليل : لا جائز أن يكون لا لدليل ، فإنه خلاف الاجماع ، وإن كان لدليل ، فإما نص أو قياس أو إجماع : فإن كان بنص أو قياس ، فلا بد من إظهاره ، ولو ظهر لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب ، بل بناء على ما ظهر من النص أو القياس . وإن كان بالاجماع ، فلا إجماع في محل الخلاف ، وإن كان الاجماع قبل خروج الخارج ثابتا . قلنا : متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل ، إذا قيل بنزوله منزلة الجواهر ، أو الاعراض ؟ الأول ممنوع ، بل هو باق بعد ثبوته بالاجماع لا بدليل ، لما سبق تقريره في المسألة المتقدمة ، والثاني مسلم ، ولكن لم قلتم إنه نازل منزلة الاعراض ؟ سلمنا أنه نازل منزلة الاعراض ، وأنه لا بد له من دليل ، ولكن لا نسلم انحصار الدليل المبقى فيما ذكروه من النص والاجماع والقياس ، إلا أن يبينوا أن الاستصحاب ليس بدليل ، وهو موضوع النزاع . سلمنا أن الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه ، ولكنه دليل الدليل على الحكم ، وذلك لأنا بينا في المسألة المتقدمة وجود غلبة الظن ببقاء كل ما كان متحققا على حاله ، وذلك يدل من جهة الاجمال على دليل موجب لذلك الظن .